الإعلام

الحرف اليدوية في صيدا بين الأمس واليوم

بقلم جريدة النهار - newspaper.annahar.com | - آخر تعديل :

الحرف غلب اسمها على اسم العائلات ومتها عائلات: الحداد، السكاكيني، النجار، الفاخوري، الخياط والحريري إلخ. الحرفة هي الكدّ والجهد في العمل والإستمرار في ممارسته حتى إتقانه والمهارة فيه، ومن هنا لا زلنا نستخدم مصطاح "المحترف" للدلالة على الشخص المتقن لعمله المختص به. وفي الحضارة العربية، في الماضي استخدم كثيراً مصطلح الصّنعة والصناعة، حتى شمل الأشياء الفكرية والمعنوية، فورد في كتاب التراث مصطلح "صناعة الشعر" و"تحرير الكتب"، بل إن محمد سعيد القاسمي في كتابه "قاموس الصناعات الشامية" عدّ لم الخرق من القمامة وإعادة خياطتها أكياساً بعد غسلها صنعة، وسمى صاحبها" حرفياً" وكذلك الحال فيمن إمتهن كتابة العرائض والرسائل لطالبيها لقاء أجر وسماه" العرضحالجي"، وذلك إن الشخصين كليهما يمارس هذا العمل بشكل دائم ويعتاش منه.

وقد انبثق عن مصطلح الصنعة في العهدين المملوكي والعثماني، مصطلحات أخرى مثل الصانع أو الصنايع، وشيخ الصنعة، ومدرسة الصنايع التي أعطت اسمها لمنطقة مهمة في رأس بيروت.

وكانت الحرف في الأمس يدوية، وتعتمد على الموارد الأولية المتوفرة في المنطقة، ولكن التقدم الصناعي الآلي، جعل الحرف اليدوية تنكمش إلى عدد ضئيل منها، وتنحصر في عائلات معينة، وفي بعض أسواق المدينة وأحيائها. وعلى هذا فإن" الحرف اليدوية" الموجودة اليوم هي وريثة" صنائع الأمس"، ولذلك تغيرت وظيفتها في المجتمع بحيث أصبحت تستخدم غالباً للزينة وللسياحة وللطابع التراثي، وهذه هي الصفة الأساسية التي أصبحت تؤديها الحرف اليدوية في الحياة الصيداوية وغيرها من المدن في العصر الحاضر.

التنظيمات الحرفية

عرفت صيدا منذ تأسيسها على شاطىء المتوسط قبل ما يقرب من ستة آلاف سنة، ببراعة أهلها في إنتاج مصنوعات دقيقة وجميلة، وإستمرت المصنوعات الصيداوية في مختلف العهود، تكسد أحياناً، ولكتها سرعان ما تعود إلى الرواج، ونتج عن ذلك تقاليد حرفية لها شكلها البنيوي، وضوابطها التي لا يجوز تجاوزها!

وتميزت الطوائف الحرفية في صيدا بإنفتاحها على جميع طوائف السكان الصيداويين ولذلك كانت الأرجحية في حرفة البناء للمسيحيين، والأغلبية في حرفة الصياغة والمجوهرات لليهود، والتجارة، خاصة تجارة الحبوب والمواد الغذائية للمسلمين، ومثال على الإنفتاح إن أحد شيوخ التجارة "بازرباشي" في صيدا كان يهودياً سنة 1703، وشيخ الخياطين سنة 1910 كان مسيحياً.

وكان رأس الحرفة المعنية شيخها الذي كان يعرف أيضاً "بشيخ الصنعة" أو "شيخ الكار" وكانت مهمته أشبه بمهمة "نقيب" الحرفة أو المهنة اليةم، وهو رئيسها الأعلى ةالمسؤول عن ضبط أسعار الإنتاج، وتحديد أجور الصناع، ومراقبة الموازين والمكاييل والمقاييس في حرفته، ومنع الغش، والمنافسة غير الشريفة.

وكان شيخ الحرفة ينتخب من طرف أبناء حرفته، وفي أحيان كثيرة تحوّل هذا المنصب وراثياً في الأسرة الواحدة، يتوارثه الأبناء عن الآباء، مما جعل اسم الحرفة أحياناً يغلب على الإسم الأصلي للعائلة فتكنى به وتنسب إليه مثل البيطار والحداد والدندشلي والسكاكيني والشّعار والقبّاني الغلاييني، والنجار والفاخوري والحبّال والخياط والحريري والعقاد والفتال والسكافي والصباغ والرواس وغيرها.

وفي إحصاء لسنة 1888 يتبين أن أصحاب الحرف في صيدا كانوا كما يلي: 100 خياط، 70 عطاراً، 7حدادين، 26 كندرج، 10 لحامين، 4 ساعاتيه، 60 بائع قماش، 30 تاجراً، 7 صاغة وجوهرجيه، 28 إسكافياً، 10 صباغيين. علماً أن سكان صيدا كانوا آنذاك حوالي تسعة آلاف نسمة، ووجود 60 بائع قماش و100 خياط يدل على أن قطاع الكساء كان رائجاً جدّاً، خاصة وأن الألبسة الجاهزة لم تكن معروفة. أما عدد العطارين الكبير الذي وصل إلى 70 عطاراً( بينما عددهم اليوم في صيدا ستة) فهو يعود إلى أن العطار كان يبيع إلى جانب الأعشاب الطبية ووصفاتها الأرز والسكر والزيت والسمن والحبوب وهو أشبه بالبقال اليوم.

ويأتي في الدرجة الثانية بعد شيخ الحرفة في التنظيم الحرفي المعلم أو الأسطى أو" الأستاذ" الذي إمتلك أسرار الصنعة، ولديه القدرة على الإبتكار والإبداع في حرفته، ويمتلك محله أو مشغله الخاص، ولديه صناع يشرف على تدريبهم. وفي الدرجة الثالثة الصانع أو الصنايعي وهو الذي يقوم بعمله تحت إشراف المعلم وينفذ تعليماته، ويسعى جهده لإتقان عمله، ومن ألقابه أيضلً" الشغّيل" أو "الأجير" لأنه أول هذه السلسلة الذي يقبض أجراً عادة. وفي آخر السلسلة "الصبي" أو "المبتدىء" وهو في أدنى درجات هرم البنية الحرفي، ويكون ولداً حديث السن عادة، غالباً ما يكون إبن المعلم نفسه، ألحقه بالعمل مبكراً ليلتقط أسرار حرفة أبيه ليرثها من بعده، بحيث تبقى متداولة بين أفراد العائلة الواحدة جيلا بعد جيل، فيأخذ الولد سر الصنعة عن أبيه ليعلمها بدوره إلى إبنه! وكان عليه إتباع تعليمات معلمه، والمواظبة على عمله وعدم إفشاء أسرار الصنعة للغير، ويقبض أجراً رمزياً يسمى "جمعية" لأنه كان يدفع له كل يوم
جمعة.

التقاليد الحرفية

كان لكل حرفة تقاليدها التنظيمية التي لا يجوز خرفها أو تجاوزها، وكان الحرفي المجتهد والأمين يرقى من رتبة لأعلى في حفل يسمى" الشدّ" حيث يشد على وسطه شال، وبعد تلاوة الأدعية وتعداد خصال المرشح للترقيه، يفك الأعلى منه رتبة الشال عن وسطه إيذانا بإرتقائه، وعلى العكس فإن الحرفي الكسول أو المخالف لطائفته الحرفيه، أو الذي يخون الأمانة فإنه يعاقب "بالتجريص" علناً في أسواق المدينة. وقد يحرم من العمل بالمدينة!

المنشآت الإقتصادية

وضمت صيدا العديد من المنشآت الإقتصادية مثل القيسارية التي كانت تضم مكاتب تجارية للتصدير والإستيراد وتخزين البضائع، ولا يزال بناؤها قائماً قرب ميناء صيدا، وثماني خانات كانت تؤمن للتجار والمسافرين مخزناً للبضائع ومأوى، وهي خان الإفرنج وخان الدباغة، وخان الحمص، وخان العدوى، وخان الرز، وخان برتران، وخان أباظة، وخان اليهود.

كما كانت تقوم خارج أسوار المدينة ثلاث خانات لخدمة المسافرين والتجار وراحة دوابهم، إثنان منهما على الطريق لبيروت هما خان مشاقة وخان كتافاكو، والثالث على الطريق إلى صور هو خان سينيق!

كما عرفت صيدا معاصر السمسم( لاستخراج الطحينة) والزيتون(لاستخراج الزيت) والعنب الأحمر (لاستخراج الدبس) بالإضافة إلى محلج للقطن ومحمص للبن وعدد من المصابن، ومطاحن كثيرة للحبوب معظمها يدور بقوة الماء على ساقيتي القملة والبرغوت أو نهري الأولي وسينيق، وبسبب كثرتها في سهل صيدا فإنها أعطت إسمها بالتركية إلى أحد أكبر أحياء صيدا " الدكرمان" واشتهرت صيدا، مثل بقية المدن الإسلامية آنذاك، بوجود أسواق متخصصة بنوع معين من البضاعة أو الحرفة، وكان بعضها مسقوفاً، وبعضها الآخر مكشوفاً تعلوه أحياناً عقود السّاباط. وإتخذ كل سوق إسماً حسب نوع النشاط التجاري أو الحرفي فيه، فكان في المدينة أسواق مثل سوق النجارين وسوق العقادين، وسوق اللحامين، وسوق الحدادين وسوق الصرماتية، وسوق الصاغة، وسوق البازركان لبيع الأقمشة.

وكان لصيدا سوقها الأسبوعي مثل كل المدن الأخرى، وكان يعقد سنة 1730 يومي الإثنين والثلاثاء من كل أسبوع منذ العاشرة صباحاً حتى آذان العصر، في ساحة باب خان الإفرنج قرب الميناء، لذلك أخذ أيضاً إسماً آخر هو "سوق البحر".
وفي القرن التاسع عشر اقتصر على يوم الثلاثاء من كل أسبوع بإسم "بازار صيدا"، وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر بسبب تضاؤل مكانة صيدا الإقتصادية لم تعد هناك جدوى من عقد هذا السوق حتى مطلع القرن العشرين،عندماعمدتبلدية صيدا سنة 1909 إلى إعادة عقد هذا السوق من جديد نهار الأحد من كل أسبوع، خارج أسوار المدينة في المكان الذي كان يدعى تربة العسكر، قرب البوابة الفوقا.

واقع الحرف الحالي في صيدا

في مطلع الخمسينات إنتقلت معظم ورش الحرف اليدوية والصناعة المحلية من أسواق البلدة القديمة، والأحياء خارج الأسوار إلى المدينة الصناعية الأولى في سينيق ثم الثانية في الغازية، بسبب ضيق الموضع وعدم ملاءمة الموقع للورش داخل البلدة القديمة وبين المساكن، وبذلك فقدت هذه الحرف تخصصها الوظيفي بأسواق محددة.

وبعد الحرب اللبنانية وأحداثها المؤلمة، ظهر تعاون وثيق بين القطاعين الحكومي والأهلي لتشجيع القطاع الحرفي وإعادة إحيائه ودعمه، فكان دعم وزارة الشؤون الإجتماعية للمؤسسات الأهلية في تدريب الأولاد والبنات على أشغال حرفية، وفي تقديم المساعدة المالية لتلك المؤسسات، كذلك قامت جمعية أرتيزانا صيدا والجنوب في تصريف إنتاج السيدات في التطريز والحياكة وبعض الأشغال الفنية.
وبسبب عودة الوعي بأهمية التراث، وتنشيط السياحة في بلدنا فإن إنعاش الحرف اليدوية شكل جانباً مهماً من إهتمامات القطاع الأهلي مثل" جمعية صيدا التراث والبيئة" و" جمعية أناملنا" و" الرحمة في خدمة المجتمع" و" والهيئة الإسلامية للرعاية" و" مشغل الأم للخياطة" و" جمعية المؤاساة والخدمات الإجتماعية" وغيرها.

وبفضل هذه الرعاية والإهتمام فقد عادت ورشة جديدة جنوب صيدا لصنع الالفخار يدوياً، بعدما إندثرت هذه الحرفة، ولا يزال أحد أحياء جنوب صيدا يحمل إسم" حي الفواخير" كما عادت ورشة جديدة صغيرة لصنع الزجاج يدوياً بعدما كانت صيدا قد فقدت هذه الحرفة.

كما يوجد اليوم ورشتان صغيرتان لتقشيش الكراسي الخيزران وتعملان على إصلاح وترميم الكراسي القديمة أكثر من اعتمادها على صنع كراسي جديدة وتقوم عائلتان بصنع سلال القصب لإستخدامها في توضيب ثمار الفواكه أو الزهور أو غير ذلك من الإستعمالات، بالإضافة إلى وجود سبع محلات في سوق النجارين لصنع الأدوات المنزلية الخشبية التقليدية مثل الطبليات والمنخيل والقباقيب وأيضاً مشك الصحون والشوبك وغيرها، ومما هو جدير بالذكر إن سوق النجارين الحالي كان يضم 30 محلاً حسب إحصاء سنة 1888.

ولا تزال حرفة صنع المراكب الخشبية رائجة في صيدا، وتوجد ثلاث ورش لهذا الغرض تنتج مراكب جديدة وتصلح المراكب القديمة.

وفي القطاع الغزل والنسيج فإن القطن والحرير شكلا عبر تاريخ صيدا السلعتين الرئيسيتين للتصدير خاصة لفرنسا، وكان القماش المنسوج من القطن يدعى "ديما" والمنسوج من الحرير "الألاجا" وكانت المنسوجات الصيداوية تتمتع بشهرة ومكانة عالية لدى الزبائن من السوريين والأجانب على حد سواء.

وكان الإهتمام بهذا القطاع قديماً، حيث أقامت مدرسة الفنون الإنجلية في صيدا سنة 1895 قسماً للتدريب على الخياطة بالإضافة إلى النجارة والبناء والكندرجية، كما إن جمعية المقاصد أقامت قرب الجامع العمري على شاطىء البحر مدرسة "الفنون والصناعة" سنة 1903 وزوّدتها بستة أنوال لتعليم حياكة القماش الوطني من الديما أو الألاجا.

وارتبطت بقطاع الكساء والخياطة وأشغال الإبرة من التطريز وكانفا وأويا وصرما. زكان لباس الرجال الشائع هو القنباز والشروال والصاكو( الجاكيت ) والدامر (شبيه بالصدرية وله أزرار) والشنتيان والمنتيان والعباءة، أما النساء فكان لباسهن الأزرار والملاءة والنقاب على الوجه من البرنجك (الحرير) أو الموسلين، ولعل أبلغ دليل على إزدهار قطاع اللباس إن عدد الخياطين في صيدا أواخر القرن التاسع عشر بلغ 100 خياط كما أسلفنا.

والقطاع الثالث الذي كان نشيطاً ولا يزال حتى اليوم يحتل جزءاً مهماً من الإقتصاد الصيداوي هو قطاع الحلويات العربية التي تتمتع يشهرة واسعة في لبنان والأقطار العربية المجاورة وتمتاز بمذاقها الطيب، وبتنوع أصنافها مثل الكنافة والقطايف والمعمول وكل واشكر والبقلاوة والشعبيات، والسفوف، بالإضافة إلى أصناف تختص بها صيدا وحدها مثل الملبن وراحة الحلقوم والسنيورة (الغريبة الخفيفة) القليلة الحلاوة والقزحة.

ونختم بإعلان نشره أحد حلوانجية صيدا في جريدة ثمرات الفنون في 7 تشرين الأول 1907 معلناً لأهل المدينة عن افتتاح محله وفيه من الطرافة، ومن مصطلحات تلك الأيام الشيء الكثير "غريّبة ومعمول المشهوران في صيدا شغل سعد الدين شاكر بجانب القشلة العسكرية في بوابة التحتا، إشتهرت هذه الحلويات بلذيذ طعمها، وحسن صنعها، وخلوها من كل غش، وحباً بتوفير السؤال على الطلب عن محل بيعها، بينا له مكان محلنا أعلاه، وجعلنا فوق كل علبة منها ورقة مطبوعة، عليها إسمنا، وعند التجربة يظهر صدق مقالنا".