دراسة

مساجد صيدا القديمة تأريخ للفن الإسلامي

بقلم لوكاليبان | - آخر تعديل :

تنقسم مساجد صيدا كما يؤكد الباحث الدكتور عبدالرحمن حجازي الى ثلاثة اقسام :

  • أولها قسم أثري يعتبر تأريخا للفن الاسلامي وشيد داخل صيدا القديمة عند تقاطع الأزقة والدروب.
  • وثانيها قسم حديث شيد بعد ان امتدت صيدا الى ناحية الشرق وخارج نطاق المدينة القديمة.
  • وثالثها يمثله قسم المساجد الأهلية، وهي التي يتولى الذين اسهموا في اقامتها ادارتها والانفاق عليها وليس لادارة الأوقاف في المدينة إلا السلطة المعنوية

عليها. وفي هذه الحلقة نواصل جولتنا مع الباحث الدكتور عبدالرحمن حجازي على بعض مساجد صيدا.

جامع قطيش

بني جامع قطيش على نفقة علي بن محمد بن قطيش عام 1001ه وكان رجلا محبا للعلم والعلماء كما يقول الباحث الدكتور عبدالرحمن حجازي، وكان هذا الرجل الفاضل يحرص على استضافة العلماء وقد استضاف العلامة الشيخ عبدالغني النابلسي الذي زار صيدا عام 1105ه، ووصف جامع قطيش في مؤلفه “التحفة النابلسية في الرحلة الطرابلسية” بقوله “وهو جامع جديد منور، فيه بركة ماء، وفسقية صغيرة من الرخام يجري اليها ماء عذب وهو اصغر من جامع الكيخيا”.

وقد اجريت لهذا المسجد ترميمات واصلاحات عديدة كانت اهمها عام 1288 ه حيث قام احفاد الشيخ علي قطيش بتجديد المسجد وأرخ لذلك شعرا فوق باب المسجد الخارجي حيث يمتاز هذا الباب بجماله ويعتبر اجمل مدخل مسجد في صيدا وجاء في الابيات :

  • لقد حف بذا الجامع النور والبها
  • بمن اخلصوا لله في السر والنجوى
  • فهم فتية احبوا مآثر جدهم
  • بتجديد خير ذكره دائما يروى
  • اقاموا باتقان البنيان حقا على التقى
  • فبشراهم دار النعيم لهم مثوى
  • بناء لوجه الله تأريخه 1288 علا
  • وان اصله كان الاساس على التقوى

كما اجرت دائرة الاوقاف الاسلامية في صيدا عام 1964 بعض الاصلاحات والترميمات المهمة عليه، ويدفن في الجنوب من المسجد الشيخ علي قطيش والضريح عبارة عن بناء حجري بسيط يعلوه شاهد نقشت عليه آية قرآنية وكان من عادة المصلين في ذلك المسجد ومسجد بطاح خاصة بعد صلاة الفجر ان يقف المصلون على باب المسجد ويذكروا الله، فيقول امام المسجد “افلح من قال لا إله إلا الله” فيردد المصلون 3 مرات “لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير”. ويختم امام المسجد حلقة الذكر بقوله: “فاز من وحد الله” فيردد المصلون “لا إله إلا الله”.

ويعتبر مسجد قطيش اغنى المساجد، لا في صيدا فحسب، بل في لبنان، فأوقافه كثيرة وكبيرة، وهو يقع داخل صيدا القديمة الى الشمال من ساحة المصلبية والى الجنوب من جامع الكيخيا.

ويتألف مسجد قطيش من اربعة اقسام :

الحرم ولا تتجاوز مساحته الخمسين مترا مربعا تعلوه قبة زين داخلها بست لوحات من الفسيفساء كما زين جانبا الباب الرئيسي للحرم بلوحتين من الفسيفساء وتمتاز هذه اللوحات ذات اللون الازرق المتمايل الى الخضرة بالجمال والروعة ويقوم الى الشرق من باب الحرم الرئيسي باب آخر صغير يفضي الى الحرم وينتصب داخل الحرم منبر من الرخام الابيض المزخرف بالعروق النباتية كما زخرفت سدة الحرم بالزخارف النباتية.

بهو المسجد، ويتألف من قسمين، قسم ملاصق للحرم يرتفع سقفه على عمودين اثريين تعلوهما زخارف ونتوءات مما يدل على انهما جلبا من مواقع اثرية قديمة، وتوازي مساحة هذا القسم مساحة الحرم الداخلي، والثاني قسم يلي القسم الاول ويفصل بينهما مرتفع بسيط وهذا القسم فسيح وتتجاوز مساحته مساحتي الحرم والقسم الاول من البهو ويروى انه كانت في هذا القسم بركة تملأ بالعصير في ذكرى المولد النبوي ليشرب منها الناس ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم.
غرفة المسجد، وكانت ملتقى العلماء ومركزا لتعليم القرآن الكريم وآخر من استعمل هذه الغرفة للتعليم الشيخ موسى نصر المتوفي عام 1969 وكان يعلم القرآن مجانا.

حديقة المسجد وهي حديقة كبيرة ملأى باشجار الليمون وتقع الى الغرب من المسجد لكنها منفصلة عنه.

جامع باب السراي

عرف هذا المسجد باسم جامع باب السراي، لأنه يقع على بعد امتار من باب سراي آل معن داخل صيدا القديمة حيث كانت تقوم منازلهم، كما عرف باسم جامع المحتسب، ومؤسس هذا المسجد هو عمدة الطالبيين في صيدا وقد جاء في لوحة اعلى مدخل المسجد الشمالي ما يلي: “بسم الله الرحمن الرحيم انشأ هذا الجامع المبارك العلامة الفقير الى الله تعالى الشيخ الامام عمدة الطالبيين مولانا شيخ ابو اليمن ابن العبد الفقير الى الله تعالى ابن العلامة مولانا شيخ الاسلام ابي اسحق ابراهيم بن... الدين اواخر رمضان 598 ه” وتعني عبارة عمدة الطالبيين ان العائلات الصيداوية التي تنتسب الى البيت النبوي، كانت تنتخب من بين افرادها عمدة لها والعائلات الصيداوية التي تنتسب الى البيت النبوي تعود الى الامام الحسين رضي الله عنه في نسبها ولا تفتح شجرة النسب الا بعد ذبح اضحية لاعتقاد هذه العائلات انه لا يجوز فتح شجرة النسب قبل تقديم اضحية تقربا الى الله تعالى، وقد عرف عمدة الطالبيين باسم نقيب الاشراف فيما بعد، وكان نقيب الاشراف يتولى نقابة الاشراف بموجب قرار من السلطان العثماني، لكن لقب نقيب الاشراف ألغي بعد وفاة الشيخ احمد جلال الدين آخر نقيب للاشراف في صيدا عام 1947.

ويقع المسجد الى الشرق من ساحة باب السراي داخل مدينة صيدا القديمة وهو يتألف من ثلاثة اقسام:

الحرم، وهو متسع المساحة يتصدره منبر معظم اقسامه من الخشب، وتعلو القسم الشرقي من الحرم قبة جميلة الشكل، اما القسم الجنوبي من الحرم فقد كان خارج منطقة الحرم لكنه اتبع اليه بعد الاصلاحات التي جرت للمسجد عام 1964.
الصحن، وتعادل مساحته ربع مساحة الحرم، ويمتاز بعمودين اثريين ينتصبان في وسط الصحن.

المدخل، وله مدخلان، غربي من جهة ساحة باب السراي يفضي مباشرة الى الحرم، وشمالي يؤدي الى صحن المسجد.

جامع الكيخيا

يشير الدكتور عبدالرحمن حجازي الى ان هذا المسجد بني عام 1624م/1033ه أي بعد ربع قرن من بناء جامعقطيشويعرف باسم جامع الكتخدا بكسر الكاف لكن صعوبة لفظ الاسم وكثرة تداوله أدتا الى تحريفه ليصبح جامع الكيخيا وينسب بناؤه الى السيد مصطفى الكتخدا فيما تشير دراسة للدكتور طلال المجذوب الى ان الكتخدا هي صفة لممثل الوالي العثماني للمدينة وليست اسم عائلة وفي مطلق الاحوال لا يوجد داخل المسجد لوحة أو نقش يدل على زمن بناء أو زمن الانتهاء من البناء وان كان بعض اهل المدينة يقولون إنه كانت توجد داخل الجامع لوحة من هذا النوع لكن استخدامه كمزار من قبل العائلات الفلسطينية النازحة عام 1948 من فلسطين ولفترة طويلة قد ساهم في تغييب هذه اللوحة، وقد ظل هذا المسجد مغلقا الى ان اعيد ترميمه فتحة في التسعينات امام المصلين.

وذكر العلامة النابلسي هذا الجامع بقوله انه اصغر من الجامع العمري بيسير ومنبره من رخام وفيه بركة ماء معينة، وقد اشتهر هذا المسجد كما يروي كبار السن في صيدا بساعته الشمسية التي كانت تزين مدخله من الداخل ولم يبق لها أثرا الآن نتيجة ما تعرض له المسجد من هدم.

ومسجد الكتخدا عثماني الطراز يتألف من ثلاثة اقسام :

الحرم، ويمتاز بجمال آخاذ وفيه منبر من الرخام الابيض النقي.

صحن المسجد، وهو ساحة كبيرة مكشوفة من وسطها بركة ماء للوضوء.

خمس غرف الى الجهة الغربية في المسجد كانت مخصصة لاستقبال الدراويش وعابري السبيل وطلاب العلم ومن بينها غرفة ذات قبة تعرف باسم الزاوية الشاذلية كانت تقام فيها حلقات الذكر.

ومن العلماء الذين قاموا على التدريس في هذا المسجد الشيخ عمر الحلاق مؤسس جمعية جامع البحر الخيرية عام 1964 التي قامت بانشاء مشروع دار السلام في منطقة شرحبيل بن حسنة عند الطرف الشمالي لصيدا، والشيخ يوسف الاسير.

وما يجب قوله في الختام ان هذه المساجد بدأت تحاط جميعا بالبناء العشوائي في المدينة الذي كاد ان يغطي عليها وعلى تراثها الاثري مما يدعو الى وقفة جادة من اجل تحسينها وترميمها وشراء ما حولها من العقارات وازالتها لاعادة رونقها ودورها التاريخي والديني كما كان، وللحفاظ على تراث فني اسلامي نفتقده مع الوقت.