الإعلام

مقالة لشربل نحاس : مسلسل المناطق الاقتصادية الخاصة أو كيف نتقدم إلى الوراء (28 نيسان 2015)

بقلم لوكاليبان | - آخر تعديل :

français

الدواء الشافي وضرورة تعميم منافعه

عيّن مجلس الوزراء في جلسة عقدها بتاريخ 8 نيسان الجاري رئيس وأعضاء مجلس إدارة "الهيئة الاقتصادية الخاصة في طرابلس" وهم: الوزيرة السابقة ريا الحسن رئيسة ومديرة عامة، والوزير السابق جهاد أزعور ووسيم منصوري وأنطوان حبيب ورمزي الحافظ وأنطوان دياب وعشير الداية أعضاء. ولا بد من تحية الحس الوطني لدى الوزيرة الحسن لأنها قبلت العمل بالسخرة، وفق تعبير وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس في مقابلة تلفزيونية، لقاء بدل أتعاب رمزي لا يفوق ثمانية ملايين ليرة شهريا، لتنمية مدينة طرابلس العزيزة.

كما وافقت حكومة المصلحة الوطنية يوم الثلاثاء في 23 نيسان الجاري على اقتراح القانون المقدم من النواب أنطوان زهرا ونعمة الله أبي نصر وسامر سعادة وحكمت ديب واسطفان الدويهي لإنشاء "منطقة اقتصادية خاصة في قضاء البترون" بتاريخ 9 نيسان 2014، وقرر إحالته إلى مجلس النواب.

النعمة المفترضة حلت إذا على طرابلس وهي قادمة إلى البترون، والعقبى لسائر مراكز المحافظات والأقضية ومواقع الزعامات، لأن هذا الترياق لا يجوز حجبه عن أحد، عملا بالمبدأين الدستوريين القائلين بالمساواة بين اللبنانيين وبالإنماء المتوازن.

من منطلق إنساني، تقتضي الرأفة بالجهود المضنية التي يبذلها مجلس نواب الأمة في الرقابة والتشريع دعوته إلى إقرار قانون واحد لمجمل "المناطق الاقتصادية الخاصة" المنتظرة يشمل كل الأراضي اللبنانية عوضا عن اضطراره لمناقشة سلسلة طويلة من القوانين المتطابقة والمستنسخة لكل منطقة على حدة.

ما هي العناصر التي تدخل في تركيب هذا الدواء السحري وتجعل الحل الشافي للتخلف والحرمان؟
تلحظ "المناطق الاقتصادية الخاصة" مجموعة من الإجراءات تندرج تحت العناوين التالية:

الهيئة العامة لإدارة المنطقة الخاصة

الهيئة مسماة عامة وليس خاصة ربما من باب التندر والفكاهة) متفلتة من أحكام النظام العام للمؤسسات العامة وللرقابة عليها
فهي، وفق المادة الثانية من القانون، "لا تخضع لأحكام المرسوم الذي يحدد النظام العام للمؤسسات العامة،" وهي، وفق المادة الرابعة، "تخضع للأحكام الواردة في هذا القانون وللأنظمة الخاصة بها دون سواها ولرقابة ديوان المحاسبة المؤخرة وفقاً لنظام خاص" (لاحظوا درجة خصوصية هذه الهيئة العامة)، وهي، استكمالا للسياق ذاته، "لا تخضع الهيئة لرقابة كل من مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي"، فاطمئنوا، ولا تقلقوا إذا قرأتم في المادة السادسة أن أول "واردات الهيئة هو الإعتمادات الملحوظة لها في الموازنة العامة"، فيسواها ما يسوى المال العام غير الخاضع للرقابة منذ عقدين ونصف.

إذ أنها، وفق المادة الثامنة، ومثل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، تتولى "وضع شروط الترخيص بالمشاريع الاستثمارية" وفي الوقت ذاته "الموافقة على الترخيص بهذه المشاريع الاستثمارية". وهي "تتلقى طلبات الترخيص بالعمل للأجانب في المنطقة وإصدار تلك التراخيص بقرار من الهيئة وفقاً لنظام منح التراخيص الخاصة (أيضا وأيضا) بالمنطقة، وإطلاع وزارة العمل عليه" نظرا للهم الإحصائي طبعا. وكي لا يتبقى أي قيد أو يحصل أي سهو، لم ينس واضعو القانون إضافة أنها "تتولى أيضا أي مهام أخرى يتطلبها حسن سير العمل في المنطقة".

دفعا لأي التباس، تكرس المادة التاسعة منطق الدويلة إذ تقول: "تمارس الهيئة حصراً، فيما يخص المشاريع الاستثمارية التي تخضع لأحكام هذا القانون (أو الأنظمة التطبيقية لأحكامه)، صلاحية جميع الادارات العامة والمؤسسات العامة والبلديات فيما يتعلق بمنح التراخيص الادارية وإجازات البناء". الدولة والبلديات مكفوفة اليد إذن ومنزوعة الصلاحيات كليا، لأن جل أعمالها إدارية أصلا والصلاحيات التي تحوزها الهيئة حصرية.

هيئة بعد هيئة، تكتمل فسيفاء الدويلات، فترتاح الدولة والبلديات وتتفرغ لهواياتها السياسية والإعلامية.

المشغل، لغز الفراشة الزاهية أو الهيئة الخاصة لإدارة المنطقة الخاصة

لكن الهيئة تستطيع هي أيضا التفرغ لهواياتها. قد يتخيل البعض أن ملاكها الذي يضم بثمانين شخصا، من اقتصاديين وإداريين وفنيين وحقوقيين (والمحدد في المرسوم رقم 2226 الصادر في 11 حزيران 2009)، صمم لكي يتولى هذا الفريق من الاختصاصيين المتحمسين للعمل بالسخرة لتنمية طرابلس اليوم والبترون غدا، كما ورد في المادة الأولى من القانون، " إدارة هذه المنطقة". لكن الواقع غير ذلك. فالقانون يلحظ، إلى جانب الهيئة جسما غريبا اسمه "المشغل". وهذا المشغل، وفق المادة الأولى نفسها، " يتولى مسؤولية تشغيل واستثمار المنطقة كلياً أو جزئياً ضمن نطاق العقد المنظم لهذه الغاية مع الهيئة، كما يمكن أن يتولى مسؤولية إنجاز مشروع إنشاء المنطقة وتأهيلها وتجهيز بنيتها وغيرها من الأمور اللازمة"... وذلك حتى "إنتهاء فترة الإشغال". (إنتهاء بهمزة قطع وفقا للنص التشريعي الجليل، ولكن الرئيس سهيل بوجي لم يعد هنا لتصحيح الأخطاء المادية).

ويمكن، بحسب المادة الرابعة عشرة، "الترخيص للمشغل... بحق تأجير المستفيدين جزءاً من المساحات الداخلة في المنطقة المخصصة للأشغال، كما يمكن أيضاً تأجير المخازن والمستودعات وغيرها واستيفاء بدلات الإيجار من جانب المشغل" كما "يجوز للهيئة أن تمنحه حق إستيفاء بدل من المستفيدين عن تأدية بعض الخدمات".

ماذا يتبقى من "الإدارة" إذا تولى المشغل التشغيل والاستثمار والإنجاز والتأهيل والتجهيز وغيرها من الأمور اللازمة وتأجير الأراضي والأبنية وقبض بدلات الخدمات؟

زيادة في الوضوح، تنص المادة الثانية عشرة على "جواز منح المشغلين مهام توفير بعض الخدمات في المنطقة عن طريق توليهم مسؤولية إقامة مشاريع إنتاجية مثل الكهرباء وخدمات الإتصالات والماء وغيرها وتشغيلها بصورة مستقلة في المنطقة بأسعار منافسة وفقاً للترتيبات الناشئة عن العقد"، أي بخرق حصرية المؤسسات العامة الخدمية كافة، انسجاما مع منطق سيادة الدويلة، واستيحاء من تجربة سوليدير "الخاصة" لناحية فرض أسعار الخدمات على المؤسسات المقامة فيها.

الهيئة مصممة إذن للقيام بعمل واحد فتستريح: إبرام عقد مع المشغل (أو المشغلين). فما هي شروط إبرام هذا العقد؟ ولماذا لا تقوم الهيئة بالإدارة بنفسها؟ وإلا لماذا لم يؤسس القانون "المشغل" بدل تأسيسه هيئة لا تطالب إلا باستيلاد المشغل كما الشرنقة تستولد الفراشة الزاهية؟ ولماذا التضحية بتضحية الوزيرة ريا الحسن وإلهائها برئاسة الهيئة بدل تكليفها بإدارة "المشغل"؟

هنا تبرز أهمية الطابع الخاص للهيئة العامة وأهمية عدم خضوعها لنظام المؤسسات العامة وللرقابة، هذه الامتيازات هي الخيط الخاص الذي يسمح بجعل المنطقة الخاصة خاصة فعليت وبالكامل.

تضحيات المستثمرين في المنطقة الاقتصادية الخاصة

نصل إلى الأنشطة المأمولة في المنطقة.
تنص المادة السابعة عشرة على أن "المشاريع الإستثمارية في المنطقة تتعاطى أعمال التجارة والصناعة والخدمات والتخزين وغيرها من النشاطات والمشاريع الإستثمارية"، أي كل شيء، "ما عدا الخدمات السياحية"، دون أن نفهم ما القصد من هذا الاستثناء. هل مطعم سنديوشات يوفر "خدمة سياجية؟"، وهل مجمع أو هنكار لإيواء العمال البنغاليين أو النيباليين يوفر "خدمة سياحية". على الأرجح أن لا، فالعمال ليسوا سياحا في القاموس اللبناني، والدليل أنهم لا يجوز أن يدخلوا إلى المسابح كما صرح مدير مسبح الريفييرا الراقي، لولا قرار وزير السياحة فادي عبود الذي قضى بالسماح لكل إنسان وكل عامل بدخول المسابح "السياحية" إذا دفع المبلغ المحدد للدخول، والتمييز بين الإنسان والعامل واضح وصريح، وقد تم ذكر الإثنين لدوافع إنسانية وعمالية جامحة لدى الوزير.

المستثمرون معفيون من كل رسم أو ضريبة قد تخطر على البال، وإليكم لائحة الطعام: الرسوم الجمركية بما فيها معدل الحد الأدنى، ورسم الاستهلاك الداخلي، والضريبة على القيمة المضافة، ورسوم الإستيراد والتصدير عن الآليات والأجهزة والمعدات والمواد والسلع (المادة الثانية والثلاثون)، وضريبة الدخل على الأرباح (المادة الثالثة والثلاثون)، ورسوم الترخيص وضريبتا الأملاك المبنية والأراضي عن الأبنية والإنشاءات العقارية (المادة الخامسة والثلاثون)، وأي رسوم وضرائب على إصدارات الأسهم والأوراق المالية (المادة السابعة والثلاثون). هل من مزيد؟ وهل نسوا شيئاً؟ وجل من لا يخطئ.

صحيح أن الرسوم الجمركية ورسم الاستهلاك الداخلي والضريبة على القيمة المضافة تستوفى في حال إخراج السلع من المنطقة لإدخالها إلى الأسواق اللبنانية (المادة الثانية والثلاثون)، إنما تبقى المعدات والأدوات معفاة وتبقى سائر الإعفاءات قائمة. وهذا الإجراء لا بد منه تلافيا لاهتزاز السلم الأهلي، وإلا لكانت كل المؤسسات القائمة في البلد سارت إلى الإفلاس أو التهريب. لكن ما رأيكم بالمؤسسات التي لا تبيع سلعا بل خدمات؟ من مكاتب محاماة واستشارات وإعلان وإعلام وغيرها؟ ولماذا يتبقى ولو واحدة منها خارج "المنطقة"؟ وماذا عن المؤسسات التي تصدر سلعا والتي لا تستفيد من الإعفاءات وتدفع الضرائب على الاستهلاك على معداتها وعلى مدخلاتها السلعية ولا تسترد

هذه الأخيرة إلا بعد وقت طويل وعناء كبير؟
الدولة لا تحصل شيئا من "المؤسسات العاملة" في المنطقة ولا البلديات. إنما مقابل ماذا؟
التنازل عن الأموال العامة المتأتي من إعفاء المؤسسات في "المنطقة"، ولعله وجب وصفها بالمؤسسات المنطقية، غير مشروط. غير أن الإعفاء من ضريبة الدخل على الأرباح مقيد بشرطين قاسيين جدا لا بل تعجيزيين (المادة الثالثة والثلاثون):

  • "أن لا تقل قيمة الأصول الثابتة في المؤسسة أو رأسمالها عما يوازي ثلاثماية ألف دولار أميركي بالعملة اللبنانية"،
  • و"أن لا تقل نسبة اللبنانيين من مجمل المستخدمين والعمال في هذه المؤسسات عن خمسين بالمئة (50%) منهم".

لا بد، ولو اعتراضيا، من تحية الحس الوطني الذي تبدى عبر إصرار المشترع على احترام السيادة المتجسدة في "العملة اللبنانية" قاعدة لمقياس القيم. ولو بد من تحية التحيّز الوطني والاجتماعي الذي تبدى عبر حفظ خمسين بالمئة (50%) من عديد العاملين للبنانيين، مقابل خمسين بالمئة (50%) لسائر سكان الكرة الأرضية. غير أن سائر الإعفاءات يبقى ساريا حتى لو خرق هذا الشرط، ولن يكون من السهل معرفة مدى تقيد المؤسسات بالشرط المذكور نظرا لإزالة أي دور رقابي في هذا المجال، حتى للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المجهز وحده بجهاز تفتيش فعلي وإن غير كاف.

تبقى الإشارة، للإنصاف والأمانة، إلى أن المادة السادسة والثلاثين "تعفي الشركات المغفلة على أنواعها من شرط وجود أشخاص لبنانيين في مجالس إدارتها" (خلافا لقانون التجارة)، وأن المادة السابعة والثلاثين تسمح "بأن تكون جميع أسهم المؤسسات العاملة في المنطقة أسهماً لحامله" (وهو ما يجيزه قانون التجارة أصلا). فما القصد ياترى من هذين الإعفائين؟ أليس الإعلان عن القرار الحازم بالتطنيش الكامل على هوية مالكي الشركات ومديريها؟ احتراما للحرية الفردية أو لأي قصد سام آخر يا ترى؟

يبقى سؤال مقلق: لماذا منع السياحة في المنطقة؟ هل لتشجيعها من حولها؟ هل لتحفيز العجلة الاقتصادية في الأقاليم وإغداق منافع محلات السندويش عليها وزيادة الطلب على العقارات التي يشكو اللبنانيون من انخفاض أسعارها؟ والله أعلم.

العاملون في المؤسسات العاملة

إذا كانت رئيسة الهيئة تخسر لأنها تعمل بالسخرة، وكانت الدولة والبلديات لا تكسب شيئا من "المنطقة" لا بل تخسر ما كانت تحصله من المؤسسات التي تنتقل من خارج المنطقة إلى داخلها، فمن المستفيد من القانون الشافي غير "المستثمرين" وبعض تجار السندويش والأراضي من حولها؟ هل هم العاملون فيها؟

الجواب لا بكل وضوح.
فالمادة الثامنة والعشرون صريحة: "خلافاً لأي نص آخر، تخضع علاقات العمل بين الأجراء والمؤسسات العاملة في المنطقة والمتعلقة بشروط الأجر والصرف من العمل للإتفاقات التعاقدية الناشئة بين الفرقاء". هكذا! طار قانون العمل، وطارت شرعة الحقوق المدنية لمنظمة الأمم المتحدة، وطارت كل مواثيق منظمة العمل الدولية، وطار كل نص آخر (من باب الحيطة والحذر من أي سهو أو خطأ مادي، في غياب الرئيس سهيل بوجي لتصحيحه).

رفعا للالتباس، تذكّر المادة الواحدة والثلاثون بأن "المستخدمين والأجراء العاملين في المؤسسات الإستثمارية المنشأة في المنطقة يستثنون من أحكام الضمان الإجتماعي"، وبأن "أصحاب العمل الذين يستخدمون هؤلاء الأجراء في المنطقة يعفون من موجب التصريح والتسجيل ودفع الإشتراكات المتوجبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي".

المادة الثامنة والعشرون كانت كافية لحرمان المستخدمين والأجراء من "الضمان الاجتماعي"، فلماذا المادة الواحدة والثلاثون؟ قد يكون الجواب كامنا في المادة التاسعة والعشرين، ونصها: "تقدم للهيئة طلبات الترخيص بالعمل أو طلبات تجديد العمل العائدة لأصحاب عمل أو لأجراء دخلوا إلى لبنان لتعاطي عمل في المنطقة". إذا قرأنا هذه المادة وتوقفنا عند حصر تقديم طلبات الترخيص بالعمل أو طلبات تجديد العمل بالهيئة (وليس بوزارة العمل) وعطفناها على إعفاء أصحاب العمل من موجب التصريح والتسجيل عن العاملين في المؤسسات للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (وليس فقط من موجب دفع الإشتراكات المتوجبة)، يكون القانون الشافي قد محا أي أثر للعاملين، الأجانب واللبنانيين، لدى وزارة العمل ولدى الضمان. فكيف يمكن التحقق من نسبة الخمسين بالمئة (50%) المغدقة على اللبنانيين يا ترى؟ يبدو الغرض بالتالي حماية حرية أصحاب العمل في حرمان العاملين، الأجانب واللبنانيين، من الحقوق الهزيلة التي منحتهم إياها القوانين والشرع والمعاهدات.

هنا ايضا، تبقى الإشارة، للإنصاف والأمانة، إلى أن المادة المادة الرابعة الثلاثين تنص على شرط قاس جدا لإفادة أصحاب العمل من إعفائهم من متوجبات قانون الضمان الاجتماعي، وهو التالي: "يتوجب على أصحاب العمل المعنيين بالإستفادة من الإعفاءات المبينة أعلاه تأمين تقديمات صحية لأجرائهم ومن هم على عاتقهم، مماثلة أو تفوق تلك التي يوفرها الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي للمنتسبين إليه". لكن هذا الشرط القاسي والتعجيزي يجب ألا يخيف المستثمرين الأفاضل، فتأمين التقديمات الصحية لا يشتمل بالطبع على تعويضات نهاية الخدمة وعلى حوادث العمل، وعلى الأرجح أيضا على "تقديمات الأمومة" التي لا يجوز، بالنظر إلى الحرص على احترام حقوق المرأة، اعتبارها مشكلة صحية. وزيادة في الطمأنينة يتوجب التذكير بأن الأجانب الذين يسدد عنهم أصحاب العمل اشتراكات للضمان دون أن يستفيدوا من أية تقديمات والذين تفرض وزارة العمل تغطيتهم على حساب أصحاب العمل ببوليصة تأمين (تغطيتها الفعلية واهية أصلا) سوف يعفى أصحاب العمل من دفع المتوجبات عنهم للضمان إنما سوف يعفون أيضا من " تأمين تقديمات صحية لهم مماثلة أو تفوق تلك التي يوفرها الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي" لأن الصندوق لا يوفر لهم أية تقديمات أصلا. وهذا ما سوف يشجع أصحاب العمل إلى مكافحة البطالة على سطح الكرة الأرضية بتشغيل أكبر عدد ممكن من الأجانب.
الحبكة متقنة.

أخيرا، وفي حرص حريص على احترام الفقرة ج من مقدمة الدستور، وهي التي تنص على أن "لبنان جمهورية ... تقوم... على العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل" تنص المادة الرابعة الثلاثون من القانون الشافي على أن "الرواتب وملحقاتها للمستخدمين والأجراء العاملين في المؤسسات المنشأة في المنطقة تعفى من ضريبة الدخل". ولا أحد يشك أن مدراء هذه المؤسسات سوف يتقاضون الحد الأدنى للأجور كما فرضه محمد شقير وغسان غصن بنضالهما المشترك على مجلس الوزراء، وهم لن يستفيدون من الإعفاء المذكور، بينما يستفيد منه سائر الأجراء (غير المصرح عنهم أصلا) من الأجانب واللبنانيين وأبناء طرابلس والبترون وما بعدهما، لأنهم سوف يتقاضون أجورا خيالية تصيبها الشطور العليا من الضريبة التصاعدية على الأجور.
هكذا تنتعش البلاد وهكذا تبنى الدول.

الحصيلة ورزق الله على المؤسسة العامة لتشجيع الإستثمارات في لبنان "إيدال"

أعضاء الهيئة يضحون، والدولة والبلديات تضحي، والعمال اللبنانيون والأجانب يضحون. المشغل والمستثمرون وبائعو السندويشات وبعض تجار الأراضي يكسبون.

أركان اساسية في الانتظام العام تتم التضحية بها: قانون العمل والحقوق المدنية للعمال تستباح، رقابة مؤسسات اساسية في الدولة من وزارة عمل وصندوق ضمان اجتماعي ووزارة أشعال عاامة ومديرية التنظيم المدني وتفتيش مركزي وإدارة مناقصات وتفتيش مركزي تلغى.
كل عمليات تحويل الثروة والحقوق هذه تجري دون قيد أو شرط: لا تصريح عن العمال ولا احتساب لقيمة الإعفاءات ولا حدود زمنية لها ولا شروط ملزمة مقابلة.

صيغة "المناطق الاقتصادية الخاصة" مستوحاة من ترتيبات درج اعتمادها في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تقوم الدولة أو إحدى الإمارة بمنح أحد "المشغلين" امتياز تجهيز واستثمار "منطقة خاصة" فيقوم باستيفاء الإيجارات والرسوم من المؤسسات التي يوافق على عملها ضمن المنطقة ويحل محل الإدارات العامة حيالها أو، وهو الغالب، يتولى الاستحصال، لصالح تلك المؤسسات، على تصاريح تلك الإدارات بالوكالة عنها. فتكون النتيجة تحويل الإيرادات العامة إلى المشغل. صيغ كهذه ما كانت لتنشأ خارج واقع مجتمعي قوامه أن الغالبية العظمى من القوة العاملة أجنبية.

ثمة في لبنان، منذ تاريخ 16 آب سنة 2001 قانون رقمه 360 أنشأ "المؤسسة العامة لتشجيع الإستثمارات في لبنان"، المعروفة باسم "إيدال". غاية هذا القانون، وفق اسبابه الموجبة، "تأمين مناخ استثماري ملائم يشجع المستثمرين على توظيف اموالهم في لبنان, خاصة وأن للاستثمارات الاجنبية المباشرة (FDI) منافع بالغة الاهمية، من ابرزها توفير فرص عمل جديدة والمساهمة في نقل التكنولوجيا والمساعدة على تحسين وتطوير انتاجية القطاع الخاص وزيادة نسبة النمو وتفعيل حركة التصدير... وذلك من خلال منح (هذه الاستثمارات) حوافز مالية وضريبية متعددة وفقا لمعايير محددة، واعطاء سلة من الاعفاءات والتسهيلات الخاصة لبعض المشاريع الاستثمارية الضخمة ذات المنفعة الكبيرة على لبنان عبر نظام عقود سلة الحوافز... كما (يلحظ القانون) سير معاملات الترخيص بعيدا عن الروتين الاداري والبيروقراطي المعقدة، على ان تفتح هذه الالية الباب امام اصلاح اداري شامل في المستقبل".

لذا لحظ القانون المذكور عددا من الإجراءات لا بد من مقارنتها مع ما لحظ قانون "المنطقة الاقتصادية الخاصة".
على الصعيد التنظيمي، لا يختص قانون "إيدال" بنطاق عقاري بل يستند إلى تصنيف للمناطق اللبنانية وفقا لتقدير مستويات تطورها الاقتصادي فيحدد لكل من الفئات سقفا متدرجا للمنح، ويلحظ، لكل المناطق إطارا موحدا أسماه "سلة الحوافز". لم يلحظ "مشغلا" بل أناط بمجلس إدارة المؤسسة المهام الإدارية والتنفيذية كافة. واعتبر المؤسسة مؤسسة عامة وأخضعها لنظام المؤسسات بما في ذلك الإجراءات المالية المنصوص عليها ضمن إجراءات الموازنة العامة، ولم يستثنها من نطاق عمل السلطات الرقابية. واعتبر خدمة "الشباك الموحد" لتسهيل المعاملات إجراء تمهيديا لتسهيل سائر المعاملات الإدارية، وأخضعها للنظم المعمول بها من قبل الإدارات الأصيلة (عمل، تنظيم مدني...).

فيما خص "سلة الحوافز"، حصر مسؤولية "إيدال" بتحضير الملفات ورفعها إلى مجلس الوزراء للموافقة عليها. والحوافز محدودة في الزمن ومشروطة بتنفيذ "المستثمر" لمندرجات العقد الذي تبرمه المؤسسة معه والتزامه بها. والحوافز تقتصر على الإعفاء من الضريبة على الأرباح (وهي غير مؤكدة الحصول على خلاف الرسوم الإدارية والرسوم على الاستهلاك) وبخفض رسوم إجازات العمل للأجانب إلى النصف (ما يعني عدم محو أثرهم)، على ألا تتعدى نسبتهم ثلث العاملين (عوضا عن 50% في قانون المنطقة الحرة)، مع إلزام التصريح والتسجيل في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (كي لا يعاقب العاملون) ويخفض رسوم رخص البناء إلى النصف ويعفي من رسوم تسجيل العقارات.

دعي وزير المالية في حكومة نجيب ميقاتي إلى السيد محمد الصفدي إلى احتساب المتوجبات على المؤسسات المستفيدة من "سلة حوافز"يدال قبل إعفائها منها كي تعرف الدولة القيمة الفعلية للحوافز "الممنوحة" وتتم مقارنتها بالمنافع المحققة (فرص عمل، توظيفات ترسملية، رسوم وضرائب مدفوعة)، فرفض وفق عادته في رفض أي إجراء يسمح بضبط الأوضاع المالية والاقتصادية في البلد.
على أساس هذه المقارنة، يمكن قياس مدى تقدم الوقاحة في تدمير أسس الانتظام العام واستباحة حقوق المواطنين والعمال خلال خمسة عشر سنة، بين 2001 واليوم.

في سيق هذا التقدم، يجدر التذكير بأن الكتل الطائفية رفضت، جميعا، بما فيها تلك التي تدعي الحرص على "الشارع السني" وعلى "المحرومين" لتقوية سطوتها عليهم وصرف نفوذها، على حسابهم، في ساحة المحاصصة والاقتتال، مشاريع التغطية الصحية الشاملة للبنانيين الممولة من الضرائب على المداخيل الريعية (بحيث لا يعود من مبرر لحرمانهم منها لقاء تحفيز مستثمرين افتراضيين).
إننا فعلا نتقدم إلى الوراء. إنما بخطى ثابتة وبإيقاع منتظم.

لفت نظر ودعاء

يجدر لفت النظر إلى التشابه المريب بين نص المرسوم رقم 1791، تاريخ 23 نيسان 2009، الذي أتى تطبيقا لقانون المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، والذي لحظ تكليف مجلس الإنماء والإعمار بردم مساحة خمسمائة ألف ومئة وثمانية وسبعين مترا من الأملاك العمومية البحرية من أجل إنشاء المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، من جهة، ونص المرسوم المهرب وغير الشرعي وغير المنشور، الذي صدر بتاريخ 6 نيسان 2011 حاملا الرقم 5790، والذي قضى بردم مساحة ستماية واربعة وثلاثين ألف وستماية وأربعين مترا مربعا مقابل شاطئ صيدا، دون تحديد أية غاية له، من جهة أخرى.
بتنا بحاجة إلى لجنة تحقيق دولية لمعرفة حصة المكر ودور الماكرين، مقابل حصة السذاج ودورهم في صياغة سياسات الدولة الافتراضية التي نعيش فيها.

في نهاية هذه المطالعة في نصوص ترتب نتائج حاسمة على حياة الناس ومصالحهم وكرامتهم، وعلى انتظام الدولة والحقوق، لا بد من توجيه ى المطالبة بإزاحة هذا النظام وبإسقاط مجلس النواب الذي قام بانقلابين ومدد لنفسه مرتين، لأنهم سوف يندمون، في حال إجريت انتخابات صاقة لممثليهم، على فقدان الكفاءات الاستثنائية في التشريع المتوافرة في مجل

مصادر : شربل نحاس