الإعلام

ندوة في بلدة معركة حول التنمية ومفهوم العمل البلدي.

بقلم لوكاليبان | - آخر تعديل :

بدعوة من إتحاد الشباب الديموقراطي- فرع معركة، اقيمت ندوة في قاعة بلدية معركة تحت عنوان "التنمية ومفهوم العمل البلدي"، شارك فيها بالإضافة لرئيس البلدية السيٍد أحمد حجازي، وعضو مجلس بلدية مدينة صور السيٍد أحمد زرقط، مدير مكتب التنمية البلدية في جمعية تضامن وتنمية السيِد عماد إبراهيم، وحضرها حشد من المهتمين.
قدم رئيس بلدية معركة مداخلة حول نشأة المجالس البلدية في لبنان والقوانين التي ترعاها، ركز فيها على ضرورة تحديث هذه القوانين بما يتلاءم مع شروط قيام الدولة الحديثة، وتحدث السيٍد أحمد زرقط عن تجربة العمل البلدي في البلدان الأوروبية وضرورة الإستفادة منها. أما مدير مكتب التنمية البلدية في جمعية تضامن وتنمية السيِد عماد إبراهيم فقد قدم مداخلة ركز فيها على تجربة الإنتخابات البلدية الأخيرة وما يمكن أن يستفاد منها هذا نصها:

الحضور الكريم

في مستهل هذه المداخلة أود ان اعرب عن بالغ شكري وامتناني لهذه الدعوه الكريمة الى هذه البلدة المتميزة بتنوعها الثقافي والسياسي لنحاول معا البحث عن المفاتيح الاساسية لقيام عمل بلدي تنموي منتج وفاعل.
لست في هذا اللقاء ممثلا لاية جهة سياسية ، إذ أننا في مكتب التنمية البلدية - جمعية التضامن والتنمية مجموعة من الشابات والشبان المستقل نعبر عن وجهة نظرنا الشخصية لما نجده خير لوطننا لبنان . وبالتالي لا نبغي من وراء ذلك تسجيل أهداف سياسية في مرمى أي من الاطراف السياسية الفاعلة على مساحة الوطن . لذا ارجو ان لا يتم تأويل بعض المفردات التي سترد في هذه المداخلة كما تجري العادة.

يسرني، ونحن في معرض الحديث عن الادارة المحلية وعلاقتها بأبناء المجتمع الاهلي، هيئات ومؤسسات وأحزاب لإنجاز عملية التنمية الشاملة والمستدامة في الإطار المحلي أن أذكًر بقرار صادر عن المجلس الدستوري يحمل الرقم 1/97 بتاريخ 12 أيلول 1997 وذلك بمناسبة إبطال التمديد للمجالس البلدية.
يقول القرار:
وبما أن الديمقراطية لا تأخذ فقط وجها سياسيا يقوم على مشاركة الشعب في الحكم عبر ممثليه في إدارة الشؤون الوطنية، ولكنها أيضا تأخذ وجها إداريا يقوم على مشاركة الجماعات المحلية في إدارة شؤونها الذاتية من خلال مجالس منتخبة تتولى هذه الشؤون.

استنادا على هذا القرار البالغ الاهمية ، أسارع الى القول بأن البلدية هي أولا وقبل أي أمر آخر مؤسسة مدنية إدارية ومالية، وبهذا التعريف البالغ الإيجاز يمكن فهم وظيفة هذه المؤسسة ، كجهاز إداري ومالي وحقوقي في المباشرة بعملية التنمية الشاملة... لقد أدمن اللبنانيون على التعامل مع إداراتهم المحلية باعتبارها مجالا فسيحا لتوزيع المغانم والمكاسب والخدمات وذلك ردا على جميلهم إذ أوصلوها بأصواتهم الى سدة السلطة المحلية ... وأدمن لبنانيون آخرون على ذم هذه الادارات وكيل الاتهامات لأدائها وإحصاء أخطائها وانحرافاتها، حينا بهدف التشفي وحينا آخر بهدف إبراز سلبياتها كمؤسسة لم تكن في الاصل تستأهل ثقتهم.

لو حاولنا القيام بتوصيف موضوعي للنخب القيادية التي مارست العمل البلدي بعد انتخابات 1998 ووقفنا على حجم النجاحات أو الإخفاقات في عملية التنمية المحلية، ومدى اسهام هذه الهيئات في الانفاق الوطني العام مقارنة بإسهامات السلطة المركزية ، لو حاولنا ذلك لوقفنا على أمرين: أولهما التعرف على التطور الذي عرفه المجال البلدي المحلي خلال هذه الفترة ... وثانيهما، التوصل الى الوقوف على حقيقة البنية المجتمعية في لبنان والتي أعيد تشكيلها بعد الحرب الاهلية الممتدة بين 1975 و 1990 .

ان عمليةالتطوير والتحديث والتنمية التي شهدتها دول العالم، وعالمنا مع الاسف الشديد لا ينتمي اليها انطلقت من امكانية (الاصلاح من تحت) وذلك عبر تراكمات تنموية مديدة شهدتها مجتمعاتها المحلية ... هذه التراكمات أدت الى نهوض إنمائي طال البنيان المجتمعي العام، كما طال البنيان السياسي العام والقىبتأثيره الكبير على مؤسسة الدولة المركزية...

والسلطة المركزية كما هو معروف هي بناء سياسي اقتصادي اجتماعي ذو بعدين: افقي يمتد عبر المدن والقرى وعمودي يتدرج من السلطةالمحلية متمثلة بالبلدية والمختار صعودا باتجاه الرأس الذي يتمثل في السلطة المركزية.

وعملية الانماء الشامل والمستدام والمتوازن تتمثل في نجاحات خطط الانماء وتلاقيها وتفاعلها في المستويين الافقي والعامودي ... وهذا لا يمكن تحقيقه الا بالمزيد من الاستقلالية وبالمزيد من المبادرات المحلية التي تجيئ انعكاسا وتلبية للواقع المحلي، هذه الاستقلالية التي استطاعت السلطات المحلية في دول العالم امتلاكها عبر ممارستها لقيم الديمقراطية وعبر احترامها للسلطة المركزية باعتبارها الحاضنة لمصالحها وتطلعاتها وآمالها في المستوى الاستراتيجي.

وهكذا صارت البلدية في بلدان العالم حكومة مدنية محلية، ذات كيان إداري- مالي وذات شخصية محصنة بالمواطنية الصحيحة وبالوعي وبالعلم وبالانفتاح على تجارب الاخرين...

في لبنان وبعد انتخابات العام 1998 للهيئات المحلية، يمكننا القول بأننا حيال تجربة جديدة في المجال الانمائي...وحيال محطة من محطات البحث عن الديمقراطية التي تكاد تكون مفقودة ولا سيما في المستوى المحلي... في لبنان الكثير من الحرية والقليل من الديمقراطية كما يقول الدكتور الحص في أكثر من مناسبة.

انتخابات العام 1998 للمجالس البلدية كانت محور اهتمام اللبنانيين، وانتخابات العام 2004 كانت محور صراعاتهم وتجاذباتهم ومدى تقيدهم بتوجيهات الآخرين...ومع ذلك تحدث اللبنانيون طويلا في الشأن العام، وتأمين حقوق الناس، وممارسة حرية الاختيار والادهى من كل هذا الحديث المكثف الذي لا ينقطع عن التنمية المحلية وكأن التنمية في مستواها المحلي لا تعني أكثر من شق طريق أو توسيعها أو إنشاء حديقة عامة أو إقامة جدران دعم أو غير ذلك من خدمات آمنة ومباشرة وغالبا ما تأخذ طابعا تجاريا أو انتخابيا أو استعراضيا أو كيديا.

لم نكن نسمع الكثير عن الممارسة الديمقراطية انتخابا وترشيحا بعيدا عن التأثير العائلي أو المناطقي او الطائفي او الشخصاني... لم نكن نسمع الكثير عن المشاركة في العمل، عن فريق العمل، عن وضع الخطط والبرامج ولا المساءلة والمحاسبة في المستوى المحلي... تحدثوا كثيرا عن الانماء والانماء في عرفهم خدمات ومصالح...والانماء في عرفنا يبدأ بالانماء البشري اولا وذلك عبر تعويد المواطن على ممارسة الديمقراطية المرتكزة على الحرية... وعبر احترام الرأي المخالف... وعبر الابتعاد عن الشخصانية في العمل واعتماد اسلوب فريق العمل.

لم نقف خلال هذه الحمى الانتخابية التي اجتاحت المدن والقرى في محطات تدعو الى المساوات الفعلية بين المواطنين من خلال خفض سن من يحق له الانتخاب،فتسهم الاجيال الطالعة في إقامة سلطاتها المحلية متساوية مع من بلغوا أرذل العمر... ولم نشهد في حمى هذه الانتخابات حملات منظمة وواعية لإشراك النصف الاخر في تسلم هذه السلطات، بحيث بقيت هذه الادارات المحلية ذات نزوع ذكوري لافت.

ان الانماء المحلي يقوم على اساس الديمقراطية الحقيقية التي تعطي سائر المواطنين تكافؤا في فرص الترشح والاقتراع والمحاسبة...ولا يتحقق هذا الانماء الا عبر مخاطبة المواطنين عن قرب والالتقاء بهم للبحث في مشاكلهم ووضع تصور للنهوض بالحياة العامة عبر المشاركة في وضع الخطط والبرامج وتحديد سلالم الاولويات... إن النطاق المحلي هو فضاء بشري جغرافي... نقول بشري أولا لان الطبيعة الجغرافية الجامدة بحاجة دائما للمسة بشرية حانية تخرجنا من وحشة المكان الىانسنة المكان...جميل الاهتمام بإقامة الحدائق العامة وبناء المساكن وفق تنظيم مدني عقلاني متطور وعلمي... لكن إقامة المنشآت العامة في الاطار المحلي يبقى متوحشا حين ينزلق الانسان في طريق الجشع فيشوه الطبيعة ويفسد الفضاء.

من هنا نؤكد ان وظيفة السلطة المحلية هي في الاساس تتركز في تنظيم فضاء الناس المحلي، في توفير فرص التواصل والتفاعل في مشاركة الناس في وضع خطط التنمية وتحديد الاولويات وابداء الملاحظات واحترام التوصيات وهذا يؤسس مستقبلا لاقامة علاقة عضوية بين الفرد والجماعة في المستوى الاهلي،مما يوفر الفرصة لإقامة العلاقة بين المواطن والمواطن الآخر في المستوى المدني... هكذا يخرج الانسان اللبناني من ولاءاته العائلية والمذهبية والعشائرية الى فضاء المواطنة الحقيقية على اساس وحدة المصالح ووحدة التطلعات المستقبلية.

أعطني شراكة حقيقية في الاطار المحلي بين أبناء المحلة أعطيك شراكة حقيقية بين المواطنين على مستوى الوطن. وهكذا فالديمقراطية القائمة على القاعدة المحلية هي التي تؤسس للديمقراطية الاوسع على مستوى القاعدة الوطنية... فالشخص المعنوي المتمثل بالبلدية يؤدي عبر التواصل والمشاركة واحترام الرأي المخالف والمحاسبة يؤدي الى تجاوز العصبيات العائلية والطائفية والعشائرية ويؤسس لثقافة مدنية يستطيع معها المواطن اللبناني ان يتعرف على حقوقه وواجباته ويتسلح بالفضائل والقيم المدنية،وعندها فقط يمكن ان يؤسس لاقامة توازن حقيقي بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة.

عندما ننجح في بناء وتعميم الديمقراطية القاعدية، والتي هي بالضبط الديمقراطية في الإطار اللامركزي... ننجح حتما في بناء وتعميم الديمقراطية السياسية، بحيث نصبح قادرين حتما على إقامة السلطة الديمقراطية المركزية التي لا يمكنها بحال من الاحوال ان تعتدي على الادارة المحلية الديمقراطية بحجة أنها المركز المعني أصلا بوضع السياسات الادارية والمالية والاقتصادية والاجتماعية في المدى الاستراتيجي... لان الخطط ذات البعد الاستراتيجي تكون قد وضعت بالمشاركة بين السلطات المحلية وسلطة المركز...
إن الادارة المحلية هي نظام ديموقراطي، وليست إدارة مالية وإدارية وحسب، إنها موقع إجتماعي تمارس فيه الحريات الديموقراطية في المستوى المحلي، وبناء عليه فالإنتخابات البلدية هي حاجة ملحة وهي محطة هامة من محطات بناء السلطة السياسية المركزية ذات التوجه والبناء الديموقراطي الصحيح، من هنا ينبغي الحرص على تحديث سلطة المجالس البلدية من خلال متغيرات بنيوية سياسية وإجتماعية وثقافية وتربوية وفكرية ... وإذا ما أردنا أن نقوم بعملية إصلاح إداري حقيقية، فعلينا بادىء ذي بدء أن نلفت نظر المعنيين بالإصلاح الإداري بأن بناء السلطات المحلية الديموقراطية والحديثة والواعية والمدربة، هو واحد من شروط هذا الإصلاح، وإذا أردنا أن نقيم وفاقا وطنيا صحيحا فعلينا أت نبدأ من القاعدة، عنيت قاعدة السلطة المحلية، إذ لا معنى على الإطلاق لتحقيق وفاق وطني في المدى الأرحب في حين نخفق في تحقيق وفاق محلي في المدى اللامركزي.

إن تجربة الإنتخابات البلدية الأخيرة، و ما تركته من ظلال ومن سلبيات وتشرذم في المدى المحلي،يمكنها أن تقدم لنا دليلا كافيا على إستحالة التوحد الوطني في غياب المواطنية اللبنانية المسكونة بهّم بناء الوطن على قاعدة الإلتحام والتماسك الإجتماعي بين سائر مكونات الوطن البشرية، طوائف وعشائر وأحزاب ومجموعات روحية.

إن المجالس المحلية في لبنان لا تعاني فقط من غياب الديموقراطية - وهو غياب يغلب على سائر تلك البلديات- بل تعاني أيضا من حلقات رقابية إدارية ومتخصصة تسهم كثيرا في إرباكها وشلّ قدراتها، وتعاني أيضا فوق كل هذا من عجز مالي يقف حائلا دون تحقيق خططها التنموية والبرامج، فالمركز ورغم مرور نصف قرن أو يزيد على وضعه قوانين المجالس المحلية، لا يزال يحاول الإمساك بخناقها، إن على مستوى وضع موازناتها السنوية أو على مستوى خلاصة حساباتها القطعية أو على مستوى التوظيف أو على مستوى الطرق التي تعتمدها هذه المجالس لإنجاز المشاريع والإنشاءات أو شراء اللوازم والخدمات: بدءا من رقابة المحافظين والقائمقامين صعودا إلى رقابة سلطة المركز الإدارية، وصولا إلى رقابة الهيئات المتخصصة المتمثلة في هيئات التفتيش المركزي والنيابات العامة المالية وديوان المحاسبة.

لو أننا على يقين بجدية هذه الرقابات وأهميتها في تقديم وتحديث العمليات والمعاملات البلدية، لكنّا من المرحبين، ولكنها مع الأسف رقابات شكلية تعرقل المعاملات وتطيل أمد إنجازها، مما يؤدي الى خيبات المجالس البلدية وتذمر المواطنين... لسنا هنا ضد الرقابة بالمطلق، فنحن مع الرقابة الهادفة الى الترشيد والتوجيه والتحديث ووضع البدائل الأفضل.

لا يمكن للسلطات المحلية المتمثلة في البلديات، أن تباشر نشاطا إنمائيا حقيقيا ما لم تكن قادرة ماليا على تغطية نفقات الإنماء الشاملة والمستدامة ولا سيما في المستوى الإنساني، من هنا ضرورة الإفراج الفوري عن مستحقاتها المالية الموضوعة أمانة"في الصندوق البلدي المستقل، و ما لم تعمد السلطة المركزية إلى تغذيتها بالضرائب والرسوم المستحقة لحساب البلديات، و قبل كل هذا تمكينها من وضع السياسات المالية المحلية الهادفة الى تحقيق الوفر في إيراداتها إن على مستوى المرونة في تعديل جداول التكليف، أو على مستوى تمكينها من تحصيل المستحقات بأبسط السبل والوسائل، إذ ليس من السهل أن تعمد هذه المجالس المحلية الى الحجز على أموال المتخلفين عن دفع المستحقات ووضعها للبيع في المزاد العلني وذلك لإعتبارات إجتماعية وسياسية وإنسانية.

إن معضلة التلوث البيئي والتخلص من أضرار النفايات الصلبة، وإقامة شبكات الصرف الصحي ومحطات التكرير تعتبر الان في أولويات السلطات المحلية، من هنا ضرورة التمويل وإعتماد الطرق والوسائل الحديثة وطلب المساعدة من هيئات محلية ودولية متخصصة في هذا المضمار، وقبل كل شيىء بث الوعي البيئي على المستوى المحلي كما هو حاصل في بلديات عديدة وعبر هيئات أهلية متخصصة في هذا المجال.

إن موضوع القبول بوجود هيئات محلية متخصصة ومراقبة ومحاسبة في إطار المجتمع الأهلي، لا ينبغي أبدا أن يثير حفيظة المجالس البلدية، بل عليها أن تشجع على خلق هذه الهيئات ودعمها وقيام حالة من التفاعل والتواصل معها، وذلك نزولا عند القيم الديموقراطية التي ينبغي أن تلتزم بها المجالس المحلية لتوفير أقصر السبل الى تحقيق الصالح العام. إن أسلوب الانفتاح على مواطني الإدارات المحلية لا ينبغي أن يكتفي بالخطب والمحاضرات، بل بتعميم أسلوب الغرف الزجاجية التي يرى فيها المواطن كل شيىء يدخل في إختصاص الهيئات المحلية، وأيضا بتعميم أسلوب الإعلام الشفاف عبر الدوريات والبيانات ومكاتب العلاقات العامة والإستعلامات وأخيرا عبر توزيع الدليل إلى المعاملات البلد ية على كافة المواطنين.

التهرب من دفع الرسوم البلدية احدى السلبيات التي تعاني منها المجالس البلدية، لكن مشاركة المواطنين في صنع القرار المحلي، وتمكينهم من مراقبة ومحاسبة هذه المجالس، وأيضا ترسيخ مفهوم الانتماء الى الديموقراطية القاعدية التي هي أساس قيام الروح الديموقراطية في وطن غير طائفي، كل هذا سوف يؤدي الى تدافع المواطنين على المحاسبين وأمناء الصناديق في البلديات لدفع المتوجب عليهم من المستحقات... ولا بد قبل الانتهاء من الحديث عن البلديات وإمكانية تحقيق النمو المحلي بالمشاركة مع هيئات المجتمع المدني من التركيز على موضوع المجالس المحلية في علاقاتها بإدارة التنظيم المدني على المستويين المحلي والمركزي.

من المؤسف أن ادارة التنظيم المدني باتت على المدى الطويل واحدة من هيئات الرقابة الفنية على البلديات، وباتت تختزل سلطة المجالس المحلية في وضع مشاريع الإستملاكات ووضع المخططات التوجيهية وتصنيف المناطق، وهي تعدّ المشاريع دون الأخذ بمشورة أو رأي السلطات المحلية، وتطلب من هذه الأخيرة وضع الملاحظات، وبعدها يصار الى إصدار المراسيم حتى إذا ما صدرت هذه المراسيم وأبلغت الى المجالس البلدية ونوقشت في الجلسات ، إرتفعت الأصوات شاجبة ورافضة ومتحفظة، ثم انتقل الصدى الى الأهالي فأثار حالة من الرفض أو القبول أو التحفظ، بإختصار تحصل حالة من الفوضى وتضارب المصالح أو تقاطعها...

من هنا يأتي الحرص على وجوب الطلب من البلديات أن تضع مخططاتها التوجيهية ومشاريع الإستملاكات وذلك في بداية ولايتها، وبإمكان البلدية أن تستعين بالمتخصصين في قطاعها المحلي أو في القطاع الخاص، وبعد التشاور مع المواطنين، هيئات وفعاليات، وعبر نقاشات طويلة لكنها مفيدة، يمكنها أن تتقدم بمشروعها أمام ادارة التنظيم المدني، فيصار الى إعتماده أو إجراء التعديلات أو التقدم بإقتراحات وملاحظات، وهكذا لم تعد المخططات التوجيهية والإستملاكات وكأنها أوامر وتعليمات تنهال على رؤوس المواطنين من فوق، وهو تدبير يجافي أبسط معاني الديموقراطية.

هذا غيض من فيض ما يمكننا الوقوف عليه في واقع البلديات في لبنان، أملين أن نبقى نطلق الصرخات، حتى نتمكن من دخول حلبة هذا العالم، الذي وللأسف الشديد لم نعد جديرين بالإنتماء إليه، وكأن لبنان صار عالما آخر فريدا متميزا ومغلقا ومحصنا في وجه المتغيرات.